بعد عشرة أشهر من الصبر، من يُنصف طلبة أوطم ؟ وهل تُعيد وساطة والي جهة فاس مكناس الثقة المفقودة؟
هشام التواتي
بعد عشرة أشهر من الصبر على اتفاق لم يكتمل تنزيله، وجد طلبة جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس أنفسهم يعودون إلى الاحتجاج بعدما تحوّل الطريق إلى الجامعة إلى عبء يومي يلتهم وقتهم وكرامتهم. ومع نجاح المقاطعة الشاملة للدروس، ارتفع صوتهم من جديد مطالباً بإحياء بنود 13 يناير وإعادة الاعتبار لحقّ بسيط في الوصول إلى المدرج دون معاناة.
في مساء الخميس 13 نونبر 2025، وقف طلبة المركبين الجامعيين سايس وظهر المهراز في وقفة إنذارية هادئة أمام مقر الشركة المكلّفة بالنقل الحضري. حملوا لافتات بعناوين كبيرة وكثير من الإحباط بعد عشرة أشهر من الانتظار. وفي اليوم الموالي، الجمعة، اختاروا شكلاً آخر للتعبير: مقاطعة شاملة وناجحة للدروس في الكليات الخمس. لم يكن ذلك تمرّداً، بل صمتاً جماعياً يطالب بإحياء اتفاق بدا أنه فقد جزءاً من روحه في الطريق.
منذ سنة 2021، كانت منصة universitatv، باعتبارها أول منصة إلكترونية متخصصة في الشأن الجامعي، شاهدة على تفاصيل المشهد الجامعي بفاس. نقلت تطور الجامعة، ووثقت أنشطتها الإشعاعية، وسجلت نبض المدرجات وأوجاع الطريق وتطلعات آلاف الطالبات والطلبة. وعندما انفجر ملف النقل الجامعي، تابعت المنصة كل تفاصيل حوار 13 يناير، ذلك الحوار الماراثوني الذي امتد لأكثر من عشر ساعات متواصلة وانتهى إلى اتفاق علّق عليه الجميع آمالاً واسعة.
ومع مرور عشرة أشهر دون تنفيذ الشق المتعلق بالنقل، عادت المنصة لتضع الرأي العام أمام الصورة الكاملة: طلبة التزموا، جامعة أوفت بما يدخل ضمن اختصاصها، وجهات ما تزال تتأخر عن أداء واجباتها.
كان اتفاق 13 يناير 2025 لحظة فارقة. اجتمعت الجامعة وهياكلها، ومديرو الأحياء الجامعية، وممثلو الولاية والجماعة، والطلبة المنتخبون حول طاولة واحدة بمركز الدراسات في الدكتوراه. نوقشت المطالب بعمق، وصيغت التزامات دقيقة تمس البيداغوجيا والبنية التحتية والسكن والمطاعم، ثم النقل الجامعي الذي ظلّ بؤرة التوتر الأكبر.
وعلى المستوى البيداغوجي، أوفت الجامعة بمعظم التزاماتها: توفير المطبوعات الخاصة بالأعمال التطبيقية، اعتماد الصيغة الإلكترونية لبحوث الإجازة، ضبط تقييم وحدات المهارات الحياتية، ودعم تعلم اللغات عبر منصة Rosetta Stone. كما حافظت على قنوات حوار مفتوحة، في إشارة إلى استعداد فعلي لحل الإشكالات المستجدة.
أما على مستوى البنية التحتية، فقد كان التقدم واضحاً وملموساً داخل مختلف مكونات الجامعة. فـمقصف كلية الحقوق جاهز منذ مدة ويشتغل بمعايير تحترم كرامة الطالبات والطلبة، فيما مقصف كلية الآداب ظهر المهراز انطلقت به الأشغال منذ شهرين، وهو يسير وفق الوتيرة المحددة ليكون جاهزاً مع نهاية الموسم الجامعي وبداية الدخول المقبل.
وفي محيط ظهر المهراز، تم استكمال البوابة الرئيسية للساحة الجامعية، بما منح الفضاء الجامعي روحاً جديدة، إلى جانب تهيئة الساحة الكبرى عند مدخل الحرم الجامعي في ورش ضخم أعاد تنظيم هذا الفضاء الحيوي.
كما أنهت الجامعة تهيئة خمس ملاعب رياضية قرب معهد علوم الرياضة، وهي بنية حديثة تتيح للطلبة متابعة أنشطتهم الرياضية في ظروف لائقة. وبالموازاة، تتقدم أشغال تهيئة جناح ابن البَنّاء بكلية الآداب لاستعادته بحلة جديدة تستجيب للتطور الأكاديمي والبيداغوجي.
ومن أبرز الإنجازات أيضاً تهيئة موقف جديد للحافلات عند مدخل ظهر المهراز، بتصميم عصري فريد على مستوى مدينة فاس، يحترم كرامة الطلبة ويضمن انسيابية أفضل، في إشارة قوية إلى أن النقل الجامعي يبدأ من المكان الذي يقف فيه الطالب كل صباح.
كما دخل فضاء Club مرحلة متقدمة من الأشغال لتعزيز الأنشطة الثقافية، بينما يقترب الحي الجامعي الجديد قرب CHU من الجاهزية بعد استئناف الأشغال بوتيرة متسارعة عقب توقف سابق.
لقد التزم الطلبة من جهتهم التزاماً كاملاً: أوقفوا المقاطعة، عادوا إلى المدرجات، واجتازوا الامتحانات بروح إيجابية. ومع ذلك، ظلّ الشق المتعلق بالنقل معلّقاً رغم أن مسؤوليته لا تقع على عاتق الجامعة.
فلا خطوط مباشرة أُحدثت، ولا تخفيض اشتراك فُعّل، ولا حلول لذوي الاحتياجات الخاصة ظهرت، ولا تشغيل للخط الرابط بين الحي الجامعي الجديد وظهر المهراز. وبقيت المعاناة اليومية على حالها: اكتظاظ، تأخر، وامتحانات يسبقها التوتر والقلق.
ومع هذا التأخر في تنفيذ بنود الاتفاق، يبرز خطر آخر: محاولات بعض ذوي النيات السيئة الركوب على الاحتقان وتأجيج الأوضاع. غير أنّ تاريخ الحركة الطلابية داخل أوطم بفاس يثبت العكس تماماً. فقد أبانت الطالبات والطلبة على مرّ السنوات عن قدرة استثنائية على إدارة أزماتهم بوعي وهدوء، وبحكمة يشهد لهم بها القاصي قبل الداني. لم يسمحوا يوماً بأن تُختطف قضيتهم أو تُستغل مطالبهم في حسابات ضيقة. لقد حافظوا على احتجاجهم سلمياً ومنظماً وواضح الهدف، مما أعطى لحركتهم مصداقيتها واحترام الرأي العام لها.
هذا النضج الطلابي هو ما يمنح اليوم للملف قوّته الأخلاقية. فالطلبة لم يخرجوا عبثاً، ولم يقاطعوا الدروس رغبةً في التصعيد، بل لأن الاتفاق لم يُنفّذ، ولأن الطريق إلى الجامعة ما تزال تُهدر كرامتهم قبل وقتهم.
اليوم تتجه الأنظار إلى السيد والي جهة فاس مكناس، خالد آيت الطالب، باعتباره الضامن لتنفيذ التزامات الأطراف المتدخلة. فبين جامعة أوفت، وطلبة صبروا، وملف ينتظر من يعيده إلى الحياة، تبدو وساطة الوالي الفرصة الأخيرة لإعادة الثقة وجبر الضرر الذي طال آلاف الطلبة.
فهل يتحرك القرار الترابي لينصف الطلبة؟
وهل يعود اتفاق 13 يناير إلى الحياة قبل أن يتحول الإحباط إلى أزمة؟
وهل يحصل طلبة فاس، أخيراً، على حقّ بديهي في الوصول إلى الجامعة دون معركة يومية على باب الحافلة؟




















