فاس تحتفي بذاكرتها الوطنية والجامعية: نصف قرن من المسيرة الخضراء ونصف قرن من إشعاع جامعة سيدي محمد بن عبد الله
هشام التواتي
في لحظة استثنائية من لحظات الذاكرة الوطنية، التأم أساتذة وباحثون وطلبة جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس للاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، في موعد وطني وعلمي تزامن هذا العام مع الذكرى الخمسينية لتأسيس الجامعة نفسها، التي تواصل تصدرها للمشهد الأكاديمي المغربي للسنة الثامنة على التوالي وفق التصنيف الدولي Times Higher Education. لقاء بطعم التاريخ، بنَفَسِ الانتصار، وبحضور أكاديمي كثيف جعل القاعة الكبرى بمركز الندوات التابع للجامعة، بطابقيها السفلي والعلوي، تغص بالحضور وتضجّ بنبض الوطن.
منذ اللحظات الأولى للافتتاح، بدا واضحاً أن الأمر يتجاوز مجرد ندوة علمية إلى لحظة وعي جماعي تستحضر مسار نصف قرن من الدفاع عن قضية الصحراء المغربية، في ظل التحول التاريخي الذي جسده قرار مجلس الأمن رقم 2797، يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، المعترف بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد ونهائي لهذا النزاع المفتعل. وكان للمكان رمزيته: جامعة وُلدت سنة 1975، سنة انطلاق المسيرة الخضراء، تعود بعد خمسين عاماً لتُجدّد العهد مع الوطن وتربط بناء المعرفة بتثبيت الثوابت.
في كلمته الافتتاحية، وضع رئيس الجامعة البروفيسور مصطفى إيجاعلي الإطار الوطني والعلمي لهذا الحدث قائلاً: «نخلد الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، ملحمة الوحدة والوفاء التي بصمت تاريخ المغرب الحديث وأكدت للعالم أجمع تشبث الشعب المغربي بوحدته الترابية وإيمانه العميق بعدالة قضيته الوطنية». وأكد أن الخطاب الملكي السامي المؤرخ في 31 أكتوبر 2025 عقب القرار الأممي شكّل «محطة مفصلية في مسار هذه القضية العادلة، باعتماده مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة الكاملة للمملكة المغربية باعتبارها الحل الوحيد والنهائي». ولم يفته التعريج على البعد المؤسسي قائلاً: «إن جعل يوم 31 أكتوبر عيداً للوحدة يشكل رمزاً للتلاحم الدائم بين العرش والشعب حول الثوابت الوطنية». كما ذكّر بالدور الريادي للجامعة في دراسة تاريخ وتراث وتنمية الأقاليم الجنوبية، مبرزاً أن مؤسساتها العلمية «وثّقت لذاكرة الصحراء المغربية كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية».
أما عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الدكتور محمد بوزلافة، فقدم قراءة سياسية وأكاديمية لما بلغه المغرب اليوم من انتصار دبلوماسي وتاريخي، مؤكداً لمنصة universitatv: «نحتفي ليس فقط بنبرة الانتصار، بل بفرح إنهاء هذا الملف الذي عمر لأكثر من نصف قرن… واليوم الرسالة واضحة: عيد الوحدة به انتهت القضية». وأبرز أن القرار الأممي الأخير «اعترف بسيادة المغرب على صحرائه وجعل الحكم الذاتي الحل الجاد والوحيد». كما شدد على أن المرحلة المقبلة تقتضي العمل على تسريع تنزيل مضامين الحكم الذاتي وفق تجارب دولية مقارنة، انسجاماً مع التوجيهات الملكية ورؤية المغرب لإقلاع اقتصادي مغاربي واستعادة المغاربة المحتجزين بتندوف.
الندوة العلمية جاءت غنية بتنوع مداخلاتها وثراء مقارباتها، إذ ترأس جلستها العلمية الدكتور محمد بوزلافة، وتوزعت المساهمات بين الأبعاد التاريخية والقانونية والدبلوماسية والاستراتيجية. قدمت الدكتورة صليحة بوعكاكة قراءة دستورية وقانونية لبيعة أهل الصحراء للسلاطين المغاربة، فيما تناولت الأستاذة فاطمة الزهراء ماء العينين المسيرة الخضراء ضمن سياقاتها السياسية والتاريخية. أما الدكتور رشيد المرزكيوي فتوقف عند المحطات الكبرى لتطور ملف الصحراء المغربية داخل منظمة الأمم المتحدة، وقدم الدكتور صلاح الدين معتوق مداخلة بعنوان «خمسون عاماً بعد المسيرة الخضراء: أمة واحدة، مصير واحد». وفي تحليل للدينامية الدولية، استعرض الدكتور الحسن الوارت مؤشرات الدعم المتزايد لمقترح الحكم الذاتي نحو اعتراف كامل بمغربية الصحراء، ليختتم الدكتور عبد الرزاق الهيري وفؤاد أعلوان بتفكيك مبادرة المغرب الاستراتيجية من أجل الأطلسي والتحولات الجيوسياسية الأوروبية الحديثة حول الملف.
داخل القاعة، المشهد كان أبلغ من كل الكلمات: المئات من الطلبة واقفون، يلوحون بالعلم الوطني، يرددون بصوت واحد أغنية «العيون عينيا والساقية الحمرانية والواد وادي يا سيدي»، في لحظة امتزج فيها الانتماء بالمعرفة، والبحث العلمي بروح الوطنية، وسط تصفيقات مدوية أعادت إلى الأذهان وهج المسيرة الخضراء الأولى.
هكذا تحولت الندوة إلى موعد جامع بين الذاكرة الوطنية والمسار الأكاديمي، بين خمسين سنة من تحقق الإجماع الوطني حول الصحراء، وخمسين سنة من إشعاع جامعة سيدي محمد بن عبد الله التي أثبتت ريادتها وطنياً وإفريقياً. وفي فاس، المدينة التي تتنفس التاريخ، بدا واضحاً أن المغرب يكتب اليوم فصلاً جديداً من فصول وحدته، بثقة العالم، وبعلم أبنائه، وبرؤية ملكية جعلت من الصحراء المغربية عنواناً لوطن موحد وآمن في مستقبله.






























