ملتقى فاس للتوجيه: جسور مفتوحة نحو المستقبل الدراسي والمهني للشباب
هشام التواتي
في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتغير فيه متطلبات سوق الشغل بوتيرة غير مسبوقة، يظل التوجيه المدرسي والمهني والجامعي حجر الزاوية في رسم المسارات المستقبلية للأجيال الصاعدة. من هذا المنطلق، احتضن المركز الجهوي للتكوينات والملتقيات بمدينة فاس، يومي 27 و28 مارس 2026، فعاليات الملتقى الإقليمي للتوجيه المدرسي والمهني والجامعي، في دورته الخامسة والعشرين، بتنظيم من المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بشراكة مع الجمعية المغربية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي فرع فاس، في مبادرة تعكس وعياً متزايداً بأهمية المواكبة المبكرة للتلاميذ في بناء مشاريعهم الشخصية والمهنية.
ويكتسي هذا الملتقى أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعته التفاعلية، حيث لا يقتصر على تقديم معلومات نظرية حول المسارات الدراسية، بل يشكل فضاءً حيوياً للتواصل المباشر بين المتعلمين وممثلي الجامعات والمعاهد والمؤسسات التكوينية، بما يتيح لهم التعرف عن قرب على مختلف التخصصات والفرص المتاحة، واستيعاب متطلبات كل مسار على حدة. كما يسعى إلى تمكين التلاميذ وأولياء أمورهم من رؤية أوضح لمستقبلهم، عبر ربط التعليم بسوق الشغل وتقديم حلول واقعية تستجيب لتحديات الإدماج المهني.
ويبرز البرنامج العام للملتقى غنى في الأنشطة وتنوعاً في المقاربات، إذ تخللت فعالياته معارض مفتوحة لعرض التخصصات الجامعية والمهنية، ولقاءات فردية وجماعية مع أطر التوجيه، فضلاً عن جلسات تفاعلية مع طلبة المدارس والمعاهد لتقاسم تجاربهم ومسارات نجاحهم، في خطوة تهدف إلى تقريب الصورة من التلاميذ وإلهامهم لاتخاذ قرارات مدروسة. كما تميز اليوم الأول بالافتتاح الرسمي، تلاه تنظيم أروقة وورشات متنوعة استقطبت اهتمام الزوار، قبل أن تستأنف الأنشطة في اليوم الثاني بجولة للوفد الرسمي واختتام الملتقى بتوزيع شواهد المشاركة.
وفي قلب هذا الحدث، كان للتلاميذ الصحفيين حضور لافت، حيث عبّر كل من حسن وزينب ومحمد وسارة عن رؤيتهم لأهمية هذا الموعد التربوي. يقول حسن: “هذا الملتقى يمنحنا فرصة حقيقية لفهم الخيارات المتاحة أمامنا بدل الاعتماد على التخمين أو التأثيرات الخارجية”، فيما أكدت زينب أن “الاحتكاك المباشر مع الطلبة والمؤطرين يجعلنا أكثر وعياً بمتطلبات كل تخصص، ويقلل من مخاوف المستقبل”. من جانبه، اعتبر محمد أن “ربط التوجيه بسوق الشغل خطوة أساسية تساعدنا على اختيار مسارات واقعية تتماشى مع حاجيات المجتمع”، بينما رأت سارة أن “تنوع الورشات والاستشارات الفردية يمنح كل تلميذ فرصة لاكتشاف ذاته وتحديد طموحاته بشكل أدق”.
ولا يقف أثر هذا الملتقى عند حد تقديم المعلومات، بل يتجاوزه ليؤسس لثقافة جديدة قوامها التخطيط المبكر، والتعلم المستمر، والانفتاح على مختلف الإمكانات التي يتيحها النظام التعليمي والتكويني. كما يعكس هذا الحدث التزام مختلف الفاعلين التربويين بمواكبة الشباب وتمكينهم من الأدوات اللازمة لبناء مستقبلهم بثقة ووعي.
وهكذا، يرسخ ملتقى فاس للتوجيه مكانته كموعد سنوي استراتيجي، لا يكتفي بتقديم الإجابات، بل يفتح آفاق التساؤل والتفكير، ويضع التلميذ في قلب معادلة الاختيار، باعتباره فاعلاً رئيسياً في صياغة مساره، لا مجرد متلقٍ لتوجيهات جاهزة.



