شبيبة الجامعة الوطنية للتعليم بإفران… ميلاد تنظيمي يضع الشباب في قلب الفعل النقابي
هشام التواتي
في أزرو، لم يكن انعقاد المؤتمر الإقليمي الأول لشبيبة الجامعة الوطنية للتعليم، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل بإقليم إفران، مجرد موعد تنظيمي عابر لإضافة هيكل جديد إلى الخريطة النقابية. كان، في عمقه، إشارة واضحة إلى أن تجديد العمل النقابي داخل قطاع التعليم لم يعد ترفاً تنظيمياً، بل أصبح شرطاً من شروط استعادة الثقة، وتوسيع المشاركة، وفتح المجال أمام جيل جديد من نساء ورجال التعليم كي ينتقلوا من موقع المتابعة إلى موقع المبادرة والمسؤولية.
المؤتمر، الذي احتضنته مؤسسة التفتح بأزرو، جاء محمولاً بخطاب يراهن على الشباب باعتباره قوة اقتراح وتأطير، لا مجرد امتداد عددي للتنظيم. وقد بدت كلمة الرفيق بوتمزكيدة، عضو المكتب التنفيذي للجامعة الوطنية للتعليم بجهة فاس ـ مكناس، بمثابة أرضية فكرية وتنظيمية لهذا الرهان، إذ حرص على تقديم المؤتمر بوصفه “محطة تاريخية متميزة” تعلن عن “ميلاد دينامية شبابية جديدة” تؤمن بالفعل النقابي الجاد، وبقدرة الشباب على صناعة التغيير وتحمل المسؤولية.
ولم تقف الكلمة عند حدود الاحتفاء بالمناسبة، بل سعت إلى ربط هذا الميلاد التنظيمي بسياق أوسع، عنوانه إعادة الاعتبار للعمل النقابي وسط الشباب، في زمن تتقاطع فيه خطابات العزوف والتبخيس مع التحولات العميقة التي تعرفها المدرسة العمومية. لذلك شدد بوتمزكيدة على أن المستقبل “لا يُنتظر بل يُصنع بالإرادة والعمل والتنظيم”، وهي عبارة تختزل الروح العامة للمؤتمر وتمنحه بعداً يتجاوز لحظة الانتخاب إلى أفق بناء وعي نقابي جديد.
ومن اللافت أن الكلمة منحت مساحة معتبرة للاعتراف المؤسسي والتنظيمي بكل من أسهم في إنجاح هذه المحطة، بدءاً من القيادة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل، في شخص الأمين العام الأخ الميلودي مخارق، وصولاً إلى الجامعة الوطنية للتعليم، في شخص كاتبها الوطني الرفيق ميلود معصيد، مع التأكيد على ما يوليه التنظيمان من دعم للعمل الشبابي وفتح المجال أمام الطاقات الصاعدة. كما خُصّ المدير الإقليمي المكلف بتدبير قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بإفران، ورئيس مؤسسة التفتح بأزرو، بكلمات تقدير على توفير فضاء مناسب لاحتضان أشغال المؤتمر في ظروف تنظيمية ملائمة.
غير أن البعد الأبرز في كلمة بوتمزكيدة تمثل في الدفاع عن تصور للنقابة باعتبارها مدرسة للتكوين والنضال، لا مجرد جهاز مطلبي محدود الأفق. فقد دعا الشباب والشابات إلى نبذ العزوف، وعدم الاستسلام لخطابات اليأس، مؤكداً أن النقابة الحقيقية فضاء لإعداد قيادات المستقبل، وآلية للدفاع عن الكرامة والحقوق، ومنصة لتأطير الوعي الجماعي داخل قطاع حساس هو قطاع التعليم.
وفي نبرة حملت كثيراً من الاعتزاز برجال ونساء التعليم، وصف المتدخل شباب القطاع بأنهم من “قشدة المجتمع”، في تعبير أراد من خلاله إبراز المكانة الرمزية والتربوية للمدرسات والمدرسين داخل المجتمع المغربي. فهؤلاء، بحسب مضمون الكلمة، ليسوا موظفين داخل منظومة إدارية فحسب، بل صناع وعي، وحملة مشعل تنوير، وقاطرة لأي إصلاح جدي يروم بناء مدرسة عمومية قوية ومجتمع أكثر إنصافاً.
وقد شكل انتخاب الرفيقة نرجس سايس كاتبة إقليمية للمكتب الإقليمي لشباب الجامعة الوطنية للتعليم بأزرو لحظة ذات دلالة خاصة داخل المؤتمر. ففي مقتطف من كلمتها عقب انتخابها، عبّرت عن اعتزازها بالثقة التي حظيت بها، مؤكدة أن المسؤولية الجديدة ليست تشريفاً بقدر ما هي التزام جماعي بمواصلة العمل الميداني، وتقوية حضور الشباب داخل التنظيم، وجعل المكتب الإقليمي فضاءً مفتوحاً للتأطير والإنصات والمبادرة والدفاع عن قضايا نساء ورجال التعليم، وفي مقدمتهم الشباب المقبلون على تحمل أعباء الفعل النقابي والتربوي.
هذا الحضور النسائي في قيادة الهيكل الشبابي لا يخلو من دلالة. فهو يمنح المؤتمر بعداً إضافياً، ويعكس توجهاً نحو توسيع دائرة المشاركة داخل التنظيم، بما يسمح للشابات والشباب بالمساهمة في صياغة القرار النقابي لا الاكتفاء بتنفيذه أو مواكبته من بعيد. كما ينسجم مع الخط العام الذي شددت عليه كلمة بوتمزكيدة حين اعتبرت أن إشراك الشباب في صناعة القرار النقابي والتربوي والمجتمعي هو المدخل العملي لتجديد التنظيم وتقوية حضوره.
كما حمل المؤتمر رسالة واضحة بشأن استقلالية العمل النقابي. فقد تم التأكيد على أن الجامعة الوطنية للتعليم والاتحاد المغربي للشغل يظلان، في تصور المنظمين، فضاءً مفتوحاً للعمل النقابي المسؤول، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة والأجندات التي قد تختزل المطالب الاجتماعية والمهنية في رهانات سياسية عابرة. وهذه الإشارة لم تكن تفصيلاً هامشياً، بل جاءت في صلب الخطاب الموجه إلى الشباب، بما يفيد أن الرهان لا يقتصر على ضخ دماء جديدة في التنظيم، بل يمتد إلى تكوين جيل نقابي قادر على حماية استقلالية القرار والدفاع عن المطالب من موقع الوضوح والمسؤولية.
ولأن المؤتمر انعقد في إقليم ذي خصوصية مجالية وتربوية، فإن تأسيس مكتب إقليمي لشباب الجامعة الوطنية للتعليم بأزرو يفتح الباب أمام دينامية تنظيمية يمكن أن تعزز الحضور النقابي وسط فئات شابة ظلت، في كثير من الأحيان، بعيدة عن الاندماج الفعلي في الهياكل. فالتنظيم الشبابي هنا لا يُفهم باعتباره واجهة شكلية، بل أداة لإنتاج القرب، وتوسيع قاعدة النقاش، وبناء جسور بين القضايا المهنية اليومية والأسئلة الكبرى المرتبطة بمستقبل المدرسة العمومية.
من أزرو إذن، خرجت شبيبة الجامعة الوطنية للتعليم بإفران برسالة مزدوجة: تجديد النفس النقابي من الداخل، وإعادة الشباب إلى قلب الفعل التنظيمي. وبين كلمة بوتمزكيدة التي شددت على أن التاريخ لا يذكر المتفرجين، وكلمة نرجس سايس التي ربطت الثقة بالمسؤولية والعمل الجماعي، بدا المؤتمر كما لو أنه يضع أمام شبابه امتحاناً واضحاً: أن يحولوا لحظة التأسيس إلى مسار، والحماس إلى فعل، والانتماء إلى حضور يومي في قضايا المدرسة العمومية وكرامة نساء ورجال التعليم.

























